الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

81

نفحات الولاية

الفلسفية المعروفة التي تقول بأن عالم المادة دائماً في حالة حركة وسكون ، والحركة والسكون من « الأمور الحادثة » وما كان معروضاً للحركة والسكون فهو حادث أيضاً . ويمكن ايراد هذا الدليل بتعبير أوسع وأشمل وهو أنّ عالم المادة دائماً في حالة تغيير ، والتغيير والتبدل علامة على الحدوث ، لأنّه لو كان أزلياً وهو مسرح على الدوام للتغير والتبدل فان ذلك سيكون جمع بين الحدوث والقدم ، أي لابدّ أن نرى التغييرات وهى من الأمور الحادثة أزلية ، وهذا تناقض صريح . ويتضح هنا أكثر فأكثر اقرار هذا الدليل للحركة الجوهرية التي تقول بأنّ الحركة كامنة في ذات الأشياء ، بل هي عين ذاتها ؛ لأنّ وجود الحركة هذا الأمر الحادث في الأزل لا معنى له . ونترك دراسة وتحليل هذا الدليل إلى الأبحاث الفلسفية الواردة بهذا الشأن . الدليل العلمي فهو الدليل الذي يقول بأنّ العالم في حالة تآكل دائمية وقد قامت الأدلة والبراهين العلمية التي تثبت ذلك ، ويصدق هذا الأمر على التيارات والثوابت والأرض وما كان على سطحها . فالتآكل المستمر دليل على أن هناك نهاية وخاتمة لعالم المادة . لأنّ التآكل لا يمكن أن يستمر إلى ما لا نهاية ، فإذا قبلنا أنّ للعالم المادي نهاية ، يجب أن نذعن بأن له بداية . لأن الشيء لا يكون أزلياً مالم يكن أبدياً . فالأبدية تعني اللا نهاية ، والشيء اللامنتهي ليس بمحدود ، وإذا كان ليس بمحدود فلا بداية له ، وعليه فالشيء إذا لم يكن أبدياً سوف لن يكون أزلياً . ويمكن ايراد هذه الكلمة بصيغة أخرى وهى أنّ العالم لو كان أزلياً وفي حالة تآكل ، فلابدّ أن يكون هذا التآكل قد أنهى عمر العالم لأنّ تناهى التآكل يساوي العدم . وبتعبير آخر على ضوء آخر النظريات العلمية أنّ العالم المادي يسير نحو الروتينية . فالذرات تتلاشى تدريجياً وتتحول إلى طاقة ، والطاقة تسير نحو الروتينية ( بالضبط كشعلة النار التي توقدها في غرفة فتتحول مادة النار إلى حرارة فتنتشر هذه الحرارة تدريجياً في وسط الغرفة حتى تكون بالتالي شيئاً روتينياً لا أثر له ) . وكلما مرت لا نهاية الزمان على العالم ستحصل هذه الحالة ؛ أي تحول كافة المواد إلى طاقة وبالتالي تتحول هذه الطاقة الفعالة إلى طاقة روتينية وباهتة . لكن لا يعني هذا الكلام أنّ زماناً قد مرّ ولم يكن للَّه‌من خلق وأنّ ذاته الفياضة قد توقفت عن هذا الفيض ، بل بالعكس فان عملية الخلق مستمرة ، إلّاأنّ المخلوقات كانت دائماً تشهد حالة التغير والتبدل وأنّ جميع هذه المخلوقات تابعة لذاته المقدسة ، أو بتعبير آخر كان له